+++++++++++++++++++++++++++++++++ فتاة حاقدة: الشيطان يحكم)... الرد على التساؤلات)

Monday, December 18, 2006

الشيطان يحكم)... الرد على التساؤلات)

الرد على التساؤلات

تصلني أحيانا من القراء تعليقات جادة و تساؤلات حول مقالاتي الأخيرة.. و البعض يلتقط عبارات من كتب قديمة صدرت لي منذ عشرين عاما محاولا أن يشهد الناس.. كيف كنت ملحدا ثم أصبحت مؤمنا.. ياله من تناقض و جريمة لا تغتفر لمفكر..
و يبدو أن المفكر الأمثل عندهم هو قطعة رخام لا تنتقل من مكانها، أو مستنقع أسن لا يتجدد ماؤه، أو حياة خاملة راكدة آلية لا تتطور.
و يتصور الواحد منهم الفضيلة و الذمة في أن يكتشف الكاتب خطأه فلا يصححه و لا يرجع عنه.
و يتصور الكمال في العجرفة الفكرية و الجمود و التعصب و الثبات و لو على الخطأ ( طالما أن هذا الخطأ في صالحهم).
و لو كنت مؤمنا تحولت إلى الإلحاد لأخذوني بالأحضان، و لقالوا هذا هو المفكر الشريف بحق.. هذا هو رائد النقد الذاتي.
و لكن لمّا كان نقدنا لذواتنا على غير هواهم أصابهم عمى الألوان فرأوا الأبيض أسود، و رأوا الفضيلة رذيلة، و الذمة خيانة.
و لقد حارب خالد بن الوليد ضد الإسلام بشراسة و أنزل الهزيمة بالمسلمين في أحد.. ثم آمن و حمل لواء الدعوة و أصبح سيف الله المسلول، فلم يقل أحد إنه رجل متناقض بلا مبدأ.
و حارب عمر بن الخطاب الدعوة الإسلامية في بدايتها بضراوة ثم اعتنق نفس الدين الذي سبه و سفهه و حاربه.. فلم يشكك أحد في إيمانه و لا في صدقه و لا في ذمته.
و الإنسان في شبابه مندفع بطبيعته، يؤمن بالساذج البسيط، الواضح الملموس أمامه، و لهذا فهو يستريح إلى المادية و الفكر المادي، لأنها لا تطالبه بشيء غير الموجود أمامه، فهي تبدأ من القريب المحسوس و لا تتجاوزه، و لا تجهد الذهن استخلاصا للحكمة من ورائه.. بل إنها لا تعتقد في وجود حكمة.. لا شيء سوى المادة التي تتطور تلقائيا بقوانينها الجدلية الخاصة.
و المفكر المادي لا يحاول حتى أن يسأل نفسه من الذي وضع في المادة قوانينها الجدلية هذه.
و هو يرفض الدين لأنه غيبيات.
و هو نفسه غارق في الغيبيات إلى أذنيه.
بل إن العلم نفسه الذي يتشدق به و يحتكم إليه غرق في الغيبيات هو الآخر.
العلم يتكلم عن الإلكترون على أنه حقيقة.. و لم يرى أحد الإلكترون.. و لا نعلم عن الإلكترون إلا آثاره.. أما الإلكترون ذاته فهو غيب.
و بالمثل الموجة اللاسلكية لا نعلم عنها إلا آثارها في عمود الإرسال و جهاز الاستقبال.. لم يرى أحد تلك الموجة الأثيرية و لم يعرف أحد كنهها.
بل إن الكهرباء ذاتها هي الأخرى طاقة لا شك فيها و مع ذلك فهي مجهولة الهوية تماما.. و لا نعرف عنها إلا مجموعة آثارها الظاهرة من حرارة إلى ضوء إلى حركة مغناطيسية.
فإذا قلنا لهم إن الله بالمثل عرفناه بآثاره و إن هويته غيب لم يعجبهم كلامنا.
بل إن المفكر المادي يقول في جرأة عجيبة.. (( في البدء كانت المادة ثم تطورت المادة إلى كافة صور الحياة و الفكر )) و كأنه كان موجودا لحظة بداية الخلق متربعا في كرسي بلكون يتفرج على ميلاد الدنيا.
هو يتكلم عن غيب و يبدأ من غيب.. و لا يملك إلا افتراضات و احتمالات و نظريات.. ثم يتهمنا بالغيبية.
و هؤلاء هم دراويش المادية لا وسيلة لإقناعهم، لأنهم لا يريدون اقتناعا.. و إنما هم اختاروا الجمود العقائدي و تشنجوا عليه، و استراحوا إلى ما فيه من تبسيط مخل و تلخيص ساذج للحقائق الكونية..
و ليس أبعث للراحة من اعتقاد الإنسان أنه لا مسئولية هناك، و لا بعث و لا حساب، و أن له أن يفعل ما يشاء لا رقيب عليه و لا حسيب سوى البوليس و المخابرات.
و مثل هذه العقيدة المادية أقرب إلى قلب الشباب المندفع الذي يريد أن ينطلق على هواه بلا علامات مرور، و بلا ضوابط، و بلا مساءلة.
و ليس صحيحا أن الفكر الإلحادي المادي هو الذي أعطانا حياتنا المتقدمة بما فيها من قطارات و عربات و طائرات و صواريخ و راديو و تليفزيون.. فهذه الأشياء هي عطاء العلم.. و العلم تراث متاح للكل.. و لا مذهب له.. يطلبه رجل الدين كما يطلبه رجل الفكر من يمين و يسار.
كان العلم يرفع راياته في مصر الفرعونية الوثنية كما كان يرفع راياته في صدر الإسلام.
العلم تراث بشري لا يستطيع أن يدعي أحد ملكيته و ليس صحيحا أن الدين يناقض العلم.
و ديننا يأمر بالعلم في أول آية من القرآن (( اقرأ )).
أمر صريح بالعلم و التعلم في أول حرف نزلت به تعاليمنا السماوية.
و العلماء عندنا هم ورثة الأنبياء، و هم في القرآن في درجة الملائكة (( شهد الله أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولوا العلم..)) (18 - آل عمران)
و الذي يتصور تناقضا بين الدين و العلم لا يعرف ما الدين و لا ما العلم.. و إنما يريد أن يختلق لنفسه مبررا للرفض. و ما أسهل الرفض.

د\ مصطفى محمود

0 Comments:

Post a Comment

<< Home